صديق الحسيني القنوجي البخاري

176

فتح البيان في مقاصد القرآن

ثم لم يكتفوا بهذا السؤال الباطل الذي نشأ منهم بسبب ظلمهم بعد ما رأوا المعجزات بل ضموا إليه ما هو أقبح منه وهو عبادة العجل ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ إلها ، وفي الكلام تقدير أي فأحييناهم فاتخذوا العجل مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ البراهين والدلائل والمعجزات الواضحات من اليد والعصا وفلق البحر وغيرها لا التوراة لأنها لم تنزل عليهم بعد . فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ أي عما كان منهم من التعنت وعبادة العجل ، وفيه استدعاء لهم إلى التوبة كأنه قيل إن أولئك الذين أجرموا قد تابوا فعفونا عنهم ، فتوبوا أنتم حتى نعفو عنكم وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً أي حجّة بينة وهي الآيات التي جاء بها ، وسميت سلطانا لأن من جاء بها قهر خصمه ، ومن ذلك أمر اللّه سبحانه له بأن يأمرهم بقتل أنفسهم توبة عن معصيتهم فإنه من جملة السلطان الذي قهرهم به ، والسلاطة القهر . وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ أي الجبل المسمى بالطور بِمِيثاقِهِمْ الباء للسببية أي بسبب ميثاقهم ليعطوه لأنه روي أنهم امتنعوا من قبول شريعة موسى فرفع اللّه عليهم الطور فقبلوها ، وقيل إن المعنى نقضهم ميثاقهم الذي أخذ عليهم وهو العمل بما في التوراة ، وقد تقدم رفع الجبل في البقرة ، وكذلك تفسير قوله : وَقُلْنا لَهُمُ على لسان موسى والطور مظل عليهم ، قال الجلال وأبو السعود والنسفي والخازن والبيضاوي ، وهذا التقييد سبق قلم لأن قصة فتح القرية كانت بعد خروجهم من التّيه وقصة رفع الجبل فوق رؤوسهم كانت عقب نزول التوراة قبل دخولهم التيه . ادْخُلُوا الْبابَ أي باب القرية ، قال قتادة : كنا نحدث أنه باب من أبواب بيت المقدس ، وقيل هو إيلياء وقيل هو أريحاء وقيل هو اسم قرية ، وقيل باب القبة التي كانوا يصلون إليها ، فإنهم لم يدخلوا بيت المقدس في حياة موسى عليه السلام . سُجَّداً فخالفوا ودخلوا وهم يزحفون على أستاهم وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا أي لا تعتدوا فهو من الاعتداء بدليل إجماع السبعة على اعتدوا منكم فِي السَّبْتِ فتأخذوا ما أمرتم بتركه فيه من الحيتان ، وقد تقدم تفسير ذلك وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً هو العهد الذي أخذه عليهم في التوراة ، وقيل إنه عهد مؤكد باليمين فسمي غليظا لذلك . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 155 إلى 156 ] فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ( 155 ) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً ( 156 ) فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ التقدير فبنقضهم ميثاقهم لعنّاهم وسخطنا عليهم وفعلنا بهم